صديق الحسيني القنوجي البخاري
504
فتح البيان في مقاصد القرآن
المصاحف بخطها سلفا وخلفا من غير نكير ، فعلم منه أنها من جملة القرآن ، تأمل . قال السيوطي في إتقانه إن أول سورة اقرأ مشتمل على نظير ما اشتملت عليه الفاتحة من براعة الاستهلال لكونها أول ما نزل من القرآن فإن فيها الأمر بالقراءة وفيها البداءة باسم اللّه وفيها الإشارة إلى علم الأحكام ، وفيها ما يتعلق بتوحيد الرب واثبات ذاته وصفاته من صفة ذات وصفة فعل ، وفي هذا الإشارة إلى أصول الدين وفيها ما يتعلق بالاخبار من قوله : عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ولهذا قيل إنها جديرة أن تسمى عنوان القرآن لأن عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارة وجيزة في أوله انتهى ذكره ابن لقيمة في حاشية البيضاوي ، والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والتبليغ إلى الكمال اللائق شيئا فشيئا مع الإضافة إلى ضميره صلى اللّه عليه وآله وسلم للإشعار بتبليغه صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى الغاية القاصية من الكمالات ، البشرية ، قاله أبو السعود . ثم وصف الرب بقوله : الَّذِي خَلَقَ لتذكير أول النعم الفائضة عليه منه تعالى ، لأن الخلق هو أعظم النعم وعليه يترتب سائر النعم ، قال الكلبي يعني الخلائق وفيه تنبيه على أن من قدر على الإنسان على ما هو عليه من الحياة وما يتبعها من الكمالات قادر على تعليم القراءة . خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ يعني آدم ، والعلقة الدم الجامد ، وإذا جرى فهو المسفوح ، وقال من علق يجمع علقة لأن المراد بالإنسان الجنس ، والمعنى خلق جنس الإنسان من جنس العلق ، وإذا كان المراد بقوله : الَّذِي خَلَقَ كل المخلوقات فيكون تخصيص الإنسان بالذكر تشريفا له لما فيه من بديع الخلق وعجيب الصنع ، وإذا كان المراد بالذي خلق ، الذي خلق الإنسان فيكون الثاني تفسيرا للأول ، والنكتة ما في الإبهام ثم التفسير من التفات الذهن وتطلعه إلى معرفة ما أبهم أولا ثم فسر ثانيا ، وقال من علق ولم يقل من نطفة مراعاة للفواصل . ثم كرر الأمر بالقراءة للتأكيد والتقرير فقال : اقْرَأْ أي افعل ما أمرت به من القراءة وجملة وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ مستأنفة لإزاحة ما اعتذر به صلى اللّه عليه وسلم من قوله : « ما أنا بقارئ » يريد أن القراءة شأن من يكتب ويقرأ ، وهو أمي فقيل له اقرأ وربك الذي أمرك بالقراءة هو الأكرم ، قال الكلبي يعني الحليم عن جهل العباد فلم يعجل بعقوبتهم . وقيل إنه أمره بالقراءة أولا لنفسه ثم أمره بالقراءة ثانيا للتبليغ ، فلا يكون من باب التأكيد والأول أولى ، والأكرم صفة تدل على المبالغة في الكرم إذ كرمه يزيد على كل كرم ، لأنه ينعم بالنعم التي لا تحصى . قال في البحر : ومن غريب ما رأينا تسمية النصارى بهذه الصفة التي هي صفة اللّه تعالى يسمون الأكرم والرشيد وفخر السعداء وسعيد السعداء في ديار مصر